ابن أبي الحديد
304
شرح نهج البلاغة
معروفك على الناس ، فما بالنا أشقى الخلق ! بك قال : إنه لا مال معي ، ولكن خذوا هذا الغلام فهو لكم ، فأخذوه ، فبكى الغلام فقال : يا مولاي ، خدمتي وحرمتي ! فقال : أتبيعوني إياه ؟ قالوا : نعم فاشتراه منهم بمال ثم أعتقه ، وقال له : والله لا أعرضك لمثلها أبدا اذهب فأنت حر ، فلما عاد إلى الكوفة حمل ذلك المال إليهم . وكان المغيرة يأمر بالسكر والجوز فيدقان ويطعمهما أصحاب الصفة المساكين ويقول : إنهم يشتهون كما يشتهى غيرهم ولا يمكنهم ، فخرج المغيرة في سفر ومعه جماعة فوردوا غديرا أوليس لهم ماء غيره - وكان ملحا - فأمر بقرب العسل فشقت في الغدير وخيضت بمائه ، فما شرب أحد منهم حتى راحوا إلا من قرب المغيرة . وذكر الزبير أن ابنا لهشام بن عبد الملك كان يسوم المغيرة ماله بالمكان المسمى بديعا ، فلا يبيعه ، فغزا ابن هشام أرض الروم ومعه المغيرة ، فأصابت الناس مجاعة في غزاتهم ، فجاء المغيرة إلى ابن هشام فقال : إنك كنت تسومني مالي ببديع ( 1 ) ، فآبي أن أبيعكه ، فاشتر الان منى نصفه بعشرين ألف دينار . فأطعم المغيرة بها الناس ، فلما رجع ابن هشام بالناس من غزوته تلك وقد بلغ هشاما الخبر قال لابنه : قبح الله رأيك أنت أمير الجيش ، وابن أمير المؤمنين ، يصيب الناس معك مجاعة فلا تطعمهم حتى يبيعك رجل سوقة ماله ، ويطعم به الناس ! ويحك أخشيت أن تفتقر إن أطعمت الناس ! قالوا : ولنا عكرمة بن أبي جهل الذي قام له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قائما وهو بعد مشرك لم يسلم ولم يقم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لرجل داخل عليه من الناس شريف ولا مشرف ، إلا عكرمة وعكرمة هو الذي اجتهد في نصرة الاسلام بعد أن كان شديد العداوة ، وهو الذي سأله أبو بكر أن يقبل منه معونة على الجهاد فأبى ،
--> ( 1 ) بديع : ماء عليه نخيل وعيون جارية بقرب وادي القرى . ياقوت .